سيد محمد طنطاوي
325
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص العبادة للَّه ، في آيات كثيرة . منها قوله - تعالى - : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . « 1 » . وقوله - تعالى - : وإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . « 2 » . ولعل السر في ذلك هو الإشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى لوجوب الإحسان إلى الوالدين ، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود الإنسان في هذه الحياة ، وهما اللذان لقيا ما لقيا من متاعب من أجل راحة أولادهما ، فيجب أن يقابل ما فعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل . قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب ، وهو الإحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإنسان عن أن تظن به الإساءة إلى الوالدين ، وكأن الإساءة إليهما ، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها . . « 3 » . ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الإحسان فقال : * ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ، ولا تَنْهَرْهُما ، وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً . . ) * . و * ( إِمَّا ) * حرف مركب من « إن » الشرطية ، ومن « ما » المزيدة عليها للتأكيد ، وقوله : * ( أَحَدُهُما ) * فاعل يبلغن . وقرأ حمزة والكسائي إما يبلغان فيكون قوله * ( أَحَدُهُما ) * بدل من ألف الاثنين في يبلغان . وقوله * ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) * جواب الشرط . قال الآلوسي : و * ( أُفٍّ ) * اسم صوت ينبئ عن التضجر ، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر . . وفيه نحو من أربعين لغة . والوارد من ذلك في القراءات سبع ثلاث متواترة ، وأربعة شاذة . فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين ، وهو للتنكير : فالمعنى : فلا تقل أتضجر تضجرا ما .
--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 151 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 83 . ( 3 ) تفسير القرآن الكريم ص 434 لفضيلة الأمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت - رحمه اللَّه .